ترسانة صواريخ يارس الروسية: أرقام مسربة تكشف حجم “الدرع النووي” لموسكو

في عالم تحكمه توازنات الرعب، يبقى الغموض هو السلاح الأمضى. فرغم استعراضات القوة المتكررة، تحيط وزارة الدفاع الروسية الحجم الحقيقي لقوتها النووية الاستراتيجية بسرية تامة. إلا أن تسريبات متقاطعة وتقديرات لدراسات عسكرية متخصصة، أماطت اللثام مؤخراً عن أرقام شبه دقيقة للعمود الفقري للردع النووي الروسي: ترسانة صواريخ يارس (Yars) ومنظومة أفانغارد (Avangard) فرط الصوتية.
هذه الأرقام لا تكشف فقط عن حجم المخزون، بل تضع أنظمة الدفاع الصاروخي العالمية أمام واقع تكتيكي معقد؛ حيث تحولت الصواريخ من أهداف ثابتة يمكن تتبعها، إلى شبح باليستي يناور بسرعة تفوق الخيال.
بالأرقام: ما الحجم الفعلي لترسانة صواريخ “يارس”؟
يُمثل صاروخ «آر إس-24 يارس» (RS-24 Yars)، والمعروف في أروقة حلف الناتو بتصنيف (SS-27 Mod. 2)، حجر الزاوية في خطة التحديث الشاملة للقوة النووية الروسية، حيث جاء كبديل متطور للأجيال الأقدم من الصواريخ الباليستية. ووفقاً لتحليل المصادر المفتوحة، تتأرجح التقديرات حول العدد الفعلي لهذه المنظومة كالتالي:
- الحد الأدنى المؤكد يقف عند 193 صاروخاً باليستياً عابراً للقارات.
- مصادر استخباراتية وعسكرية أخرى ترفع السقف التقديري إلى نحو 220 صاروخاً.
ولكن الخطورة الحقيقية لا تكمن في العدد الإجمالي فحسب، بل في طريقة الانتشار والتمركز. تشير التقديرات إلى أن الترسانة موزعة بذكاء استراتيجي يضمن بقاءها في أسوأ السيناريوهات:
- 180 منظومة متنقلة: محمولة على منصات إطلاق برية ضخمة قادرة على تغيير مواقعها باستمرار، ما يجعل عملية رصدها أو تدميرها بضربة استباقية مهمة شبه مستحيلة.
- 40 منظومة ثابتة: متمركزة ومحصنة داخل صوامع تحت الأرض مصممة لتحمل الضربات النووية.
وتتوزع هذه القوة الضاربة على سبع فرق صاروخية تغطي جغرافيا روسيا الشاسعة، من تيكوفو ويوشكار-أولا، وصولاً إلى نوفوسيبيرسك وإيركوتسك وكوزيلسك ونيجني تاجيل.
كابوس الرصد: لماذا يُرعب “يارس” الدفاعات الغربية؟
لم يكتسب “يارس” مكانته من مدى وصوله الجغرافي الذي يبلغ 11 ألف كيلومتر فحسب، بل من بنيته التكنولوجية المصممة لاختراق أعقد الدروع:
- الوقود الصلب: على عكس الصواريخ السائلة التي تتطلب وقتاً طويلاً للتحضير، يمنح الوقود الصلب صاروخ يارس سرعة فائقة في الإطلاق، مما يقلص نافذة الإنذار المبكر لدى الخصم إلى دقائق معدودة.
- رؤوس متعددة ومستقلة (MIRV): الصاروخ الواحد لا يحمل رأساً نووياً واحداً، بل رؤوساً متعددة يمكن توجيه كل منها برمجياً لضرب هدف مختلف تماماً، مما يشتت قدرات المنظومات الاعتراضية.
“أفانغارد”: حين تفقد قوانين الفيزياء الباليستية قيمتها
بالتوازي مع درع “يارس”، تحتفظ روسيا بورقة رابحة تُصنف ضمن أسلحة “يوم القيامة” التكتيكية: منظومة أفانغارد (Avangard). ووفقاً للتقديرات، تمتلك موسكو حالياً نحو 12 منظومة في الخدمة القتالية الفعلية.
هذه المنظومة (المحمولة على صواريخ UR-100N UTTKh أو ما يسميه الناتو SS-19 Stiletto) لا تعتمد على المسار القوسي الثابت للصواريخ الباليستية التقليدية، بل هي مركبة انزلاقية فرط صوتية تمتلك القدرات التالية:
- سرعة خرافية: تنزلق داخل الغلاف الجوي بسرعات تتجاوز 20 ماخ (عشرون ضعف سرعة الصوت).
- المناورة المطلقة: قدرتها على تغيير مسارها وارتفاعها أثناء التحليق بسرعاتها القصوى، تجعل الخوارزميات الحالية لأنظمة الدفاع الصاروخي عاجزة عن التنبؤ بنقطة وصولها أو مسار اعتراضها.
- المدى التشغيلي: يُقدر مدى المركبة نفسها بأكثر من 6 آلاف كيلومتر، لكن عند دمجها مع الصاروخ الحامل، يصل مداها الإجمالي إلى نحو 10 آلاف كيلومتر.
خلاصة: الغموض كعقيدة ردع
تؤكد هذه التقديرات أن الاستراتيجية الروسية لا تهدف فقط إلى تدمير الخصم، بل إلى “ضمان حتمية الوصول”. فرغم غياب الأرقام الرسمية الدقيقة، يبرز التكامل بين منصات الإطلاق المتنقلة لـ “يارس”، والسرعة الانزلاقية المجنونة لـ “أفانغارد”، وتطوير منظومات ثقيلة قادمة مثل “سارمات” (Sarmat) و”توبول-إم”، كرسالة واضحة: روسيا تعيد هندسة ترسانتها لخلق درع هجومي لا يقبل الاعتراض، معتمدة على مبدأ أن الخوف مما لا يُمكن رصده بدقة، هو أقوى أنواع الردع.



