قبل أعمال التطوير.. تحذيرات من طمس أدلة في مطار المزة بدمشق

تحت ركام المدرجات القديمة والجدران الإسمنتية التي طالما ارتبطت بالسرية المطلقة، يختبئ تاريخ طويل من الأسرار والملفات الشائكة. تتجه الحكومة السورية اليوم إلى تحويل مطار المزة العسكري السابق في دمشق إلى مطار مدني محدود. وتأتي هذه الخطوة ضمن خطط رسمية تهدف إلى إعادة تأهيل عدد من المنشآت والأصول العامة في البلاد.
ولكن، ما يبدو على السطح كمشروع تطوير استثماري واقتصادي، أثار نقاشاً عميقاً ومخاوف جدية لدى منظمات حقوقية وسكان محليين. وتتركز هذه المخاوف بشكل أساسي حول عدد من الملفات الحساسة المرتبطة بالموقع، لعل أبرزها الحفاظ على مناطق يُشتبه في احتوائها على مقابر جماعية، إلى جانب مطالبات تاريخية تتعلق بملكية الأراضي المقام عليها المطار. فهل يمحو الإسمنت الجديد آثار الماضي، أم أن الحقائق ستظل تطارد المشروع؟
من قاعدة عسكرية مغلقة إلى واجهة مدنية: ملامح المشروع الجديد
لعقود طويلة، كان مجرد ذكر اسم “مطار المزة” يثير الرهبة، كونه يمثل إحدى أبرز القواعد العسكرية والمجمعات الأمنية المغلقة. ووفقاً لتقرير نشرته الوكالة العربية السورية للأنباء “سانا” في الأسبوع الماضي، فإن الهيئة العامة للطيران المدني السوري تستعد لإعادة تصنيف مطار المزة من منشأة عسكرية إلى مطار مدني محدود. وسيكون هذا المطار متخصصاً في الطيران الخاص والتنفيذي، ليعمل كمنشأة رديفة ومساندة إلى جانب مطار دمشق الدولي.
الخطوات العملية على الأرض لم تعد مجرد حبر على ورق؛ فقد أضاف التقرير الرسمي أن أعمال إزالة الركام وتحديث البنية التحتية في الموقع قد بدأت بالفعل. ويأتي هذا المشروع بالتزامن مع مساعي السلطات السورية لإعادة تأهيل عدد من المنشآت العامة بهدف جذب الاستثمارات. غير أن هذا التوجه يتطلب، بحسب المراقبين، معالجة ملفات متراكمة ومعقدة تعود إلى عهد عائلة الأسد. ومن بين هذه الملفات الشائكة يبرز مصير عشرات الآلاف من المفقودين السوريين، إضافة إلى قضايا معقدة تتعلق بملكية الأراضي والمصادرات التي تمت خلال العقود الماضية.
وثائق المخابرات الجوية: أسرار الإعدامات الميدانية خلف أسوار المطار
لفهم حجم المخاوف الحقوقية الحالية، يجب العودة إلى الدور الذي لعبه هذا الموقع خلال العقود الماضية. فخلال عهد بشار الأسد ووالده حافظ الأسد، لم يكن المطار مجرد قاعدة انطلاق للطائرات؛ بل كان يضم فروعاً رئيسية تابعة لإدارة المخابرات الجوية. وإلى جانب هذه الفروع، تواجدت مرافق احتجاز تقول منظمات حقوقية إن معتقلين تعرضوا بداخلها لعمليات تعذيب وإعدام وإخفاء قسري. وفي الوقت ذاته، استُخدمت أجزاء من تلك القاعدة الجوية لتسيير الرحلات الرئاسية والرسمية، في تناقض صارخ بين الواجهة الدبلوماسية والكواليس الأمنية.
الصدمة الكبرى تجلت في وثائق بالغة السرية تابعة للمخابرات الجوية، حصل عليها مؤخراً المركز السوري للعدالة والمساءلة. وهذا المركز هو منظمة حقوقية يقودها سوريون ويتخذ من الولايات المتحدة مقراً له. وقد أطلع المركز وكالة “رويترز” حصرياً على هذه الوثائق التي تكشف عن قرارات مرعبة اتُخذت في أروقة النظام. وتثبت هذه الوثائق أن مسؤولين عسكريين سوريين كباراً وافقوا في عام 2012 على استخدام مطار المزة كمكان لتنفيذ أحكام إعدام بحق معتقلين، وهي أحكام كانت قد صدرت عن محاكم ميدانية عسكرية.
من سجن صيدنايا إلى مدرجات المزة: تفاصيل نقل منصات الموت
تغوص الوثائق المسربة في تفاصيل إدارية تعكس برودة الآلة الأمنية في التعامل مع أرواح المعتقلين. ومن أبرز ما كشفته التحقيقات بناءً على هذه الأوراق:
- مقترح النقل: تضمنت إحدى الوثائق مقترحاً صريحاً بنقل تنفيذ أحكام الإعدام من سجن صيدنايا ذي الصيت السيئ إلى مطار المزة.
- مبررات الاختيار: استند المقترح إلى اعتبار المطار “مجمعاً أمنياً مغلقاً” يتمتع بحصانة جغرافية كونه يقع بالقرب من العاصمة دمشق.
- تحديد مسرح الإعدام: كشفت مراسلات لاحقة بين المسؤولين أن ميداناً للرماية طُرح في البداية كموقع محتمل لتنفيذ الإعدامات، قبل أن تتغير الخطة ليجري بحث استخدام حظيرة طائرات تقع مجاورة للمدرج الرئيسي.
- التجهيزات اللوجستية: أظهرت الوثائق صدور تعليمات واضحة بإنشاء منصة مخصصة داخل إحدى الحظائر، مع الأمر بإحضار حبال من النايلون خصيصاً لهذا الغرض.
- الإشراف والسرية: نصت الأوامر على تنفيذ كافة الإجراءات تحت الإشراف المباشر للمخابرات الجوية، مع وضع تشديد صارم على ضرورة الحفاظ على “أقصى درجات السرية”.
مقابر جماعية تحت تهديد الجرافات: تحذيرات حقوقية عاجلة
لم تتوقف اكتشافات المركز السوري للعدالة والمساءلة عند حدود وثائق الإعدام. ففي تحقيق موسع أجراه المركز عام 2025، تمكن من تحديد موقعين محددين داخل مطار المزة. ويُشتبه بقوة في أن هذين الموقعين هما عبارة عن مقبرتين مرتبطتين بأشخاص فقدوا حياتهم أثناء فترة الاحتجاز داخل المطار. وقد صرح المركز بوضوح أن أكثر من 1,150 معتقلاً توفوا في مرافق الاحتجاز الموجودة هناك. وتوزعت أسباب الوفاة بين تنفيذ أحكام الإعدام، وبين من قضوا نتيجة التعذيب الشديد أو سوء المعاملة الممنهجة.
مع تسارع وتيرة الحديث عن التطوير، بدأ المركز في التحرك الاستباقي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأدلة الجنائية. وفي رسالة رسمية تعود إلى شهر يوليو من عام 2025، واطلعت عليها وكالة “رويترز”، قام المركز بإرسال إحداثيات الموقعين المشتبه بهما إلى الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا. ودعا المركز في رسالته إلى ضرورة مراعاة الحساسية البالغة للموقع، مطالباً بوقف أي أعمال بناء أو حفر في تلك المناطق المعنية حتى يتم استكمال التحقيق الشامل.
وصرح المركز لوكالة “رويترز” أن الهيئة الوطنية للمفقودين أبلغته في ذلك الوقت بأنه لا توجد أي خطط للبناء أو إعادة التطوير داخل المطار. ولكن، مع الإعلان الرسمي لاحقاً عن انطلاق خطط إعادة التطوير، سارع المركز إلى توجيه رسالة ثانية إلى الهيئة ذاتها في الثامن من سبتمبر. وطالب في هذه الرسالة الجديدة باتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة خلال أي أعمال للحفر أو إزالة الأنقاض، وذلك لضمان الحفاظ على أي رفات بشرية أو أدلة جنائية قد تساهم مستقبلاً في تحديد هويات القتلى وإغلاق ملفاتهم. وأوضح المركز بأسف أنه لم يتلق حتى الآن أي رد على رسالته الثانية.
أصوات عائلات المفقودين: العدالة قبل الاستثمار
لا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن الجرح المفتوح لعشرات الآلاف من العائلات السورية. وفي هذا السياق، تحدث عامر مطر، مؤسس متحف سجون سوريا، وهي منظمة غير حكومية تتخذ من ألمانيا مقراً لها وتعمل بجهد على توثيق ما يجري في مرافق الاحتجاز. وأكد مطر أن أي عملية لتطوير الموقع يجب ألا تتجاهل ملف العائلات المكلومة. وقال إن هذا التطوير ينبغي أن يترافق مع مراعاة كاملة لملف العائلات التي لا تزال حتى اليوم تبحث بلهفة عن أي معلومات بشأن أقاربها الذين تم اعتقالهم خلال عهد الأسد.
وأضاف مطر في تصريحاته لـ”رويترز” أن أي أعمال تطوير تُجرى في موقع يُشتبه في احتوائه على مقابر جماعية، تتطلب من وجهة نظره إجراء تحقيق مسبق وشفاف، إضافة إلى توفير حماية للمواقع المحتملة والحفاظ التام على الأدلة من التلف أو الطمس المتعمد.
وفي مواجهة هذه الاتهامات والتحذيرات، التزمت الجهات الرسمية الصمت المطبق. إذ لم ترد الهيئة العامة للطيران المدني، أو الهيئة الوطنية للمفقودين، أو حتى وزارة الدفاع (التي تتولى فعلياً إدارة المطار)، على أسئلة وجهتها وكالة “رويترز” بشأن المقابر المشتبه بوجودها في الموقع، أو حول المطالبات المتعلقة بحقوق الأراضي. واكتفت وكالة “سانا” الرسمية بنقل تصريح مقتضب عن المتحدث باسم هيئة الطيران المدني، والذي قال فيه إن تجديد مطار المزة سيأخذ في الاعتبار “المحيط العمراني والاعتبارات القانونية والاجتماعية ذات الصلة”. إلا أن هذه التصريحات المعلنة لم تتضمن حتى الآن أي تفاصيل إضافية بشأن ملف المقابر المشتبه بها أو حتى قضايا ملكية الأراضي، كما لم تتضح بعد هوية الجهة الاستثمارية التي ستتولى مهام تطوير المطار.
جذور النزاع: أهالي المعضمية ومصادرات الأراضي المستمرة
إذا كان البعد الحقوقي والجنائي يتصدر المشهد، فإن هناك بعداً اقتصادياً واجتماعياً لا يقل أهمية يهدد استقرار المشروع. فالنقاش حول تطوير مطار المزة لا يقتصر على الملف الحقوقي للمفقودين، بل يمتد ليشمل مطالبات قديمة ومعقدة تتعلق بملكية الأراضي التي أُقيم عليها المطار في الأصل.
تاريخياً، وخلال عهد الأسد، شهدت عدة مناطق سورية عمليات مصادرة واسعة لأراضٍ خاصة تعود ملكيتها لمواطنين، وذلك لصالح إقامة مشاريع حكومية وعسكرية. وجرت هذه العمليات وسط خلافات عميقة استمرت لسنوات طويلة بشأن غياب التعويضات العادلة وتجاهل حقوق المالكين الأصليين.
وفي تفصيل يوثق هذا الحق، أظهرت سجلات عقارية وأراضٍ صادرة عن بلدية المعضمية، والتي تمكنت وكالة “رويترز” من الاطلاع عليها، حقائق مفاجئة. حيث بينت هذه السجلات أن مطار المزة بأكمله قد شُيّد على أراضٍ تبلغ مساحتها الإجمالية 2.76 كيلومتر مربع، وأن هذه المساحة الشاسعة تعود ملكيتها القانونية لمئات المواطنين من أهالي المنطقة.
| الجهة المتضررة | الحدث التاريخي | الوضع الحالي |
|---|---|---|
| مئات المواطنين من أهالي المعضمية | مصادرة 2.76 كم مربع من الأراضي الخاصة عام 1956 | لم تُدفع التعويضات حتى الآن، ومطالبات بفتح باب المفاوضات |
| عائلات المفقودين والمعتقلين | تنفيذ إعدامات ودفن في مقابر جماعية سرية | تهديد بطمس الأدلة تحت ركام أعمال التطوير الجديدة |
وأكد مسؤول سابق في بلدية المعضمية، والذي طلب عدم الكشف عن هويته لاعتبارات أمنية، أن مراسيم المصادرة التي صدرت في ذلك الوقت منحت لاحقاً غطاءً قانونياً واهياً لاستخدام الحكومة لتلك الأراضي عند الشروع في إنشاء المطار عام 1956. لكنه شدد بقوة على أن التعويضات المالية المستحقة لم تُدفع للأهالي قط.
هذا التجاهل المستمر أخرج الأهالي عن صمتهم. فبعد يوم واحد فقط من الإعلان الرسمي عن خطط إعادة التطوير، نظم عدد من سكان مدينة المعضمية احتجاجاً علنياً للمطالبة بضرورة مناقشة حقوقهم المشروعة والمرتبطة بتلك الأراضي. وفي تصريح يعكس وعي الأهالي بحقوقهم، قال أحد منظمي الاحتجاج، والذي عرّف عن نفسه باسم مستعار هو “أبو خالد”: “نحن نرحب بالاستثمار، لكن يتعين علينا أن نجلس إلى طاولة المفاوضات لنناقش حصتنا مع المستثمرين مباشرة، وليس مع الدولة.. لدينا حق موثق قانونياً في هذه الأرض”.
تحرك دولي: دعوات ملحة لمعالجة ملفات الملكية المسلوبة
لا يبدو أن هذه الأزمة ستبقى حبيسة الجغرافيا السورية، فقد بدأ النقاش الداخلي يتزامن مع دعوات دولية متصاعدة توجه للحكومة السورية بضرورة معالجة قضايا الممتلكات التي صودرت بشكل تعسفي خلال عهد الأسد.
ففي الثاني من شهر سبتمبر، وجه خبراء أمميون متخصصون في مجال حقوق الأراضي دعوة صريحة للحكومة السورية يطالبونها فيها بمراجعة شاملة للقوانين المعمول بها. وأشار هؤلاء الخبراء إلى أن هذه القوانين هي التي سمحت بمصادرة الممتلكات بصورة منهجية ومنظمة خلال العهد السابق. ولم تقتصر دعوات الخبراء الأمميين على المراجعة القانونية فقط، بل طالبوا أيضاً بضرورة إنشاء آليات شفافة وفعالة تسمح بإعادة الممتلكات المصادرة إلى أصحابها الشرعيين، أو في الحد الأدنى تقديم تعويضات مادية مناسبة وعادلة لهم تطوي هذه الصفحة المظلمة من سلب الحقوق.
الخلاصة: هل تنجح الواجهة المدنية في إخفاء ندوب الماضي؟
إن مشروع تحويل مطار المزة إلى منشأة مدنية يمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الإسمنت والجرافات على دفن الحقائق. فالتطوير الاقتصادي لا يمكن أن يُبنى على أنقاض حقوق مسلوبة ورفات مجهولة الهوية. ما بين وثائق المخابرات الجوية التي وثقت إعدامات ميدانية لا تُنسى، وبين صرخات أهالي المعضمية الباحثين عن حقوقهم العقارية المسلوبة منذ عام 1956، يجد المشروع الجديد نفسه محاصراً بملفات لا تسقط بالتقادم. وسيبقى التحدي الأكبر أمام الجهات القائمة على التطوير: هل سيمضون قدماً في طمس الأدلة وتجاهل الحقوق، أم ستفرض العدالة والضغوط الدولية كلمتها في نهاية المطاف لحماية ما تبقى من ذاكرة الضحايا؟



