عقيدة مونرو تعود: لماذا سحبت واشنطن المساعدات العسكرية من العرب وأوروبا؟

في خطوة تعكس تحولاً جذرياً في بوصلة السياسة الخارجية الأمريكية، تتجه إدارة الرئيس دونالد ترامب نحو إعادة هندسة خريطة تحالفاتها العسكرية والمالية حول العالم. لم يعد الشرق الأوسط أو حتى حلفاء أوروبا التقليديون يحتكرون الاهتمام الأكبر في أروقة صنع القرار في واشنطن؛ بل اتجهت الأنظار بقوة نحو نصف الكرة الغربي، أو ما يُعرف تاريخياً بـ “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة.

فقد أبلغت وزارة الخارجية الأمريكية الكونغرس رسمياً بقرار استراتيجي يقضي بإعادة برمجة وتحويل 52 مليون دولار من برنامج “التمويل العسكري الأجنبي”. هذا المبلغ، الذي كان مخصصاً لدعم دول في أوروبا والشرق الأوسط، سيطير الآن عبر المحيط ليستقر في خزائن حكومات محافظة في أمريكا الوسطى والجنوبية. هذا القرار المفاجئ يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات عميقة: ما هي الدوافع الخفية وراء هذا التحول؟ وكيف سيؤثر على موازين القوى في مناطق النفوذ التقليدية؟ ولماذا باتت أمريكا اللاتينية تمثل أولوية قصوى للأمن القومي الأمريكي في هذه المرحلة الحساسة؟

خريطة الرابحين والخاسرين: من دفع ثمن التحول الأمريكي؟

يعتمد برنامج التمويل العسكري الأجنبي (FMF) على استخدام أموال دافعي الضرائب الأمريكيين كمنح لدول حليفة، بهدف تمكينها من شراء أسلحة ومعدات عسكرية متطورة مباشرة من شركات الدفاع الأمريكية. وبالتالي، فإن قرار سحب هذه الأموال أو تحويلها يحمل رسائل سياسية وعسكرية مزدوجة.

وفقاً للإخطار الرسمي، فقد شملت قائمة “الخاسرين” الذين تم اقتطاع هذه الأموال من حصصهم دولاً تقع في مناطق استراتيجية شديدة الحساسية، وهي:

  • تونس والعراق: يمثل سحب جزء من التمويل من هاتين الدولتين تراجعاً نسبياً في أولوية “الحرب على الإرهاب” في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لصالح صراعات جيوسياسية أخرى، رغم أن الخارجية الأمريكية أكدت أن هذا الإجراء لا يلغي التمويل المخصص لهما بالكامل، بل يعيد توزيع الفوائض أو الأرصدة غير المستغلة بما يتماشى مع الرؤية الجديدة.
  • سلوفاكيا ومقدونيا الشمالية: وهما دولتان عضوان في حلف شمال الأطلسي (الناتو). اقتطاع التمويل منهما يحمل رسالة توبيخ مبطنة ومتكررة من إدارة ترامب للقارة الأوروبية.

في المقابل، برزت قائمة “الرابحين” واضحة المعالم، حيث ستُضخ هذه الملايين في شرايين المؤسسات العسكرية لكل من: كولومبيا، بيرو، الإكوادور، وبنما. وهي دول تقودها حكومات يمينِية محافظة تتوافق سياساتها بشكل كبير مع رؤية الإدارة الأمريكية الحالية.

عقيدة مونرو في ثوبها الجديد: استعادة السيطرة على “الحديقة الخلفية”

لفهم الجذور الفكرية لهذا التحول، يجب العودة بالزمن إلى القرن التاسع عشر، وتحديداً إلى “عقيدة مونرو” التي أسست لمبدأ الهيمنة الأمريكية المطلقة على الأمريكيتين، رافضة أي تدخل أو نفوذ من قوى خارجية. اليوم، تحتفل إدارة ترامب بتجديد هذه العقيدة، معلنة بصراحة أن نصف الكرة الغربي قد عانى من تهميش تاريخي فيما يخص توزيع المساعدات العسكرية الأمريكية، وأن الوقت قد حان لتصحيح هذا المسار.

هذا التوجه تُرجم عملياً على الأرض من خلال الجولة المكوكية التي أجراها وزير الخارجية ماركو روبيو الأسبوع الماضي، والتي شملت كولومبيا والإكوادور وبيرو. خلال هذه الزيارة، تعهد روبيو بتقديم دعم إضافي وغير مسبوق، مؤكداً أن واشنطن تقف جنباً إلى جنب مع حلفائها الإقليميين في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المشتركة. الانحياز الواضح للحكومات اليمينية في هذه القارة يأتي في سياق تشكيل جبهة قوية متماسكة قادرة على تنفيذ الأجندة الأمريكية بفعالية.

التنين الصيني في المشهد: حرب نفوذ لا تعرف الصمت

وراء الكواليس، وتحت غطاء مصطلحات التعاون الأمني ومكافحة المخدرات، يختبئ الدافع الأكبر والمحرك الأساسي للسياسة الخارجية الأمريكية في الوقت الراهن: مواجهة النفوذ الصيني المتنامي.

لقد أدركت واشنطن متأخراً أن بكين تستغل الفراغ الدبلوماسي والمالي الأمريكي في أمريكا اللاتينية للتمدد بهدوء عبر مبادرات استثمارية ضخمة، وقروض بنية تحتية، وشراكات تكنولوجية (مثل مبادرة الحزام والطريق). هذا الاختراق الصيني لـ “الحديقة الخلفية” الأمريكية أثار فزع دوائر الأمن القومي في البنتاغون والخارجية.

وقد تجلى هذا القلق بشكل صريح في تصريحات وزارة الخارجية الأمريكية، التي وجهت انتقاداً مبطناً ولكنه شديد اللهجة للصين، قائلة إن ضخ هذه الأموال الجديدة في أمريكا اللاتينية سيعمل على “منع الخصوم من إنشاء موطئ قدم استراتيجي في نصف الكرة الأرضية الخاص بنا”. إنها إذن حرب استباقية لقطع الطريق على التنين الصيني قبل أن يحول نفوذه الاقتصادي في المنطقة إلى قواعد عسكرية أو مراكز تجسس متقدمة على أبواب الولايات المتحدة.

أمن الحدود وإرهاب المخدرات: المبررات الميدانية للتمويل

إلى جانب صراع القوى العظمى، تتبنى إدارة ترامب أجندة محلية قوية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن الحدود الجنوبية للولايات المتحدة. وقد بررت وزارة الخارجية تحويل الـ 52 مليون دولار بأنها ستُستخدم بشكل أساسي في أهداف ميدانية ملموسة، أبرزها:

  • مكافحة إرهاب المخدرات (Narco-terrorism): تعتبر كولومبيا وبيرو من أكبر منتجي الكوكايين في العالم. الدعم العسكري سيوفر طائرات مروحية، تقنيات استطلاع، وأسلحة نوعية لقوات مكافحة المخدرات المحلية لضرب كارتلات التهريب في عقر دارها قبل وصول سمومها إلى الشوارع الأمريكية.
  • تأمين قناة بنما: يمثل هذا الممر المائي أهمية استراتيجية واقتصادية قصوى للتجارة العالمية والأمريكية. تزويد بنما بدعم عسكري إضافي يضمن بقاء القناة تحت حماية حليف موثوق، ويمنع أي محاولات تخريبية أو اختراقات أمنية قد تعطل سلاسل التوريد.
  • كبح الهجرة غير الشرعية: تعتقد الإدارة الأمريكية أن تعزيز الاستقرار الأمني ودعم الحكومات في أمريكا الوسطى والجنوبية سيساهم في تقليل موجات النزوح والهجرة غير الشرعية التي تضغط بشدة على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة، وهو ملف يمثل أولوية انتخابية وسياسية للرئيس ترامب.

رسالة حازمة للناتو: زمن الحماية المجانية انتهى

لا يمكن قراءة اقتطاع المساعدات من دولتين في حلف الناتو (سلوفاكيا ومقدونيا الشمالية) بمعزل عن النهج العام للرئيس دونالد ترامب تجاه التحالف الأطلسي. هذه الخطوة هي الأحدث في سلسلة متصلة من التحركات والقرارات التي أدت إما إلى خفض الأموال أو إعادة انتشار القوات في القارة الأوروبية.

يستخدم ترامب هذه المساعدات كورقة ضغط قوية واستجابة عملية لشكاواه المتكررة بشأن ما يصفه بـ “التقاعس الأوروبي”. ترى واشنطن أن العديد من حلفاء الناتو لا ينفقون ما يكفي على ميزانياتهم الدفاعية (الوصول إلى عتبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي)، وتعتبر أن الولايات المتحدة تحملت العبء الأكبر لحماية أوروبا لعقود طويلة. تحويل هذه الملايين بعيداً عن أوروبا هو رسالة واضحة: الالتزامات المالية الأمريكية ستذهب فقط لمن يخدمون الأولويات الأمنية المباشرة لواشنطن، وعلى أوروبا أن تتحمل فاتورة أمنها بنفسها.

الخلاصة: خريطة تحالفات أمريكية جديدة قيد التشكيل

إن قرار تحويل 52 مليون دولار قد يبدو رقماً متواضعاً في حسابات الميزانيات العسكرية الضخمة، لكن دلالاته الجيوسياسية هائلة. لقد أوضحت وزارة الخارجية بصراحة لا تقبل التأويل أن التوزيع القديم للتمويل “لا يتماشى مع أولويات الإدارة” لنصف الكرة الغربي.

هذا التحرك يكرس لمرحلة جديدة تتراجع فيها أهمية النزاعات في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية لصالح التركيز المطلق على القارة الأمريكية. إنها استراتيجية دفاعية هجومية في آن واحد؛ تدافع عن الحدود الأمريكية ضد المخدرات والهجرة، وتهاجم التمدد الصيني الناعم، وتجبر الحلفاء في الناتو على إعادة حساباتهم. في لعبة الشطرنج الدولية المعقدة، قررت واشنطن أن حماية “القلعة” تبدأ من تأمين “الحديقة الخلفية”، حتى لو كان ذلك على حساب أصدقاء الأمس في الضفة الأخرى من العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *