“صب الزيت على النار”.. كواليس تحذير سلوفاكيا من صراع وشيك بين الناتو وروسيا

في وقت تحبس فيه القارة العجوز أنفاسها ترقباً لمآلات المعارك على الجبهة الشرقية، خرج تصريح من قلب أوروبا ليقلب الطاولة على الخطاب الغربي الموحد. رئيس الوزراء السلوفاكي، روبرت فيكو، لم يكتفِ برفض تسليح كييف، بل وجه اتهاماً مباشراً وخطيراً لدوائر صنع القرار في الغرب بـ “اختلاق ذرائع” لجر حلف شمال الأطلسي إلى حرب شاملة ومباشرة مع موسكو.

هذا التصريح المفاجئ لا يعكس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يكشف عن صدع عميق داخل أروقة حلف “الناتو”، حيث تتصادم الرغبة في إنهاء الاستنزاف الأوكراني مع مخاوف عواصم أوروبية أخرى من هجمات روسية سرية بدأت تضرب عمق القارة.

“الاستراتيجية الفاشلة”: لماذا يتهم فيكو الغرب؟

يرى الزعيم السلوفاكي المخضرم أن المعادلة الحالية في أوكرانيا قد استنفدت أغراضها. فمن وجهة نظره التحليلية، استراتيجية “تدمير روسيا” عبر الدعم العسكري المطلق للجيش الأوكراني لم تحقق أهدافها المرجوة.

هذا الفشل الميداني، بحسب قراءته، خلق حالة من الإحباط لدى ما وصفهم بـ “صقور الحرب” داخل حلف الناتو. وبدلاً من التراجع للبحث عن تسوية دبلوماسية، يعتقد فيكو أن هؤلاء السياسيين مستعدون لبذل كل جهد ممكن —حتى وإن تطلب الأمر صب الزيت على النار— لتحويل الأزمة الأوكرانية إلى مواجهة مباشرة بين موسكو والحلف، محذراً من أن أوروبا باتت تواجه اليوم “خطراً مميتاً”.

الخط الأحمر لسلوفاكيا: فخ “بند الدفاع الجماعي”

الهاجس الأكبر الذي يسيطر على الإدارة السلوفاكية، بصفتها دولة حدودية مع أوكرانيا وعضواً في الناتو، هو الانجرار إلى ساحة المعركة عبر أخطاء تكتيكية أو “ذرائع مُلفقة”.

حذر فيكو بوضوح من سيناريوهات خطيرة تتمثل في توغل طائرات مسيّرة (مجهولة أو موجهة) داخل المجال الجوي لدول الحلف، وهو ما قد يُستخدم كشرارة لتفعيل بند الدفاع الجماعي (المادة الخامسة) لحلف الأطلسي. استبق فيكو هذه السيناريوهات بوضع خط أحمر حاسم: سلوفاكيا لن ترسل جندياً واحداً للقتال في هذه الحرب التي لا تخصها.

الوجه الآخر للأزمة: حرب “هجينة” تدق أبواب باريس ووارسو

على النقيض تماماً من الرؤية السلوفاكية التي ترى الغرب هو المعتدي الخفي، تقف دول أخرى كفرنسا وبولندا لتدق ناقوس خطر معاكس؛ فالتهديد الروسي، بالنسبة لهم، تجاوز حدود أوكرانيا وبدأ يتخذ أشكالاً هجينة ومتعددة الوسائل.

  • الرؤية الفرنسية: استشهد الرئيس إيمانويل ماكرون بالتغير النوعي للعدوان الروسي، مشيراً إلى الهجوم المعقد بالمسيّرات الذي استهدف مطار “لايبزيغ” الألماني في أغسطس الماضي، والذي أكدت برلين وقوف أجهزة موسكو خلفه، كدليل قاطع على اتساع دائرة الاستهداف.
  • التحذير البولندي: عزز رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك هذه المخاوف، كاشفاً عن تقارير استخباراتية تفيد بوجود خطط روسية نشطة لشن هجمات غير تقليدية (بالصواريخ والطائرات المسيرة) تستهدف البنى التحتية للدول الأوروبية الداعمة لكييف.

الخلاصة: أوروبا بين مطرقة روسيا وسندان الانقسام

التناقض الصارخ بين تحذيرات براتيسلافا (سلوفاكيا) ومخاوف باريس ووارسو، يضع مستقبل الأمن الأوروبي أمام سيناريوهات قاتمة. فبينما تتهم عواصم أوروبية روسيا بنقل حرب الظل والمسيّرات إلى أراضيها، تعتقد عواصم أخرى أن هذه الحوادث قد تُستغل كأدوات لتبرير حرب عالمية جديدة.

ومع غياب استراتيجية موحدة واستمرار تدفق السلاح، تبقى الحقيقة المؤكدة الوحيدة أن القارة الأوروبية لم تكن، منذ الحرب الباردة، أقرب مما هي عليه اليوم إلى حافة مواجهة عسكرية شاملة، حيث قد يكفي خطأ واحد في الحسابات، أو مسيّرة طائشة، لإشعال القارة بأكملها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *