معركة الوداع الدبلوماسية: لماذا شن ماكرون هجوماً حاداً على خطة ترامب للسلام في غزة؟

في خطابه الوداعي الأخير من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يغادر المسرح الدولي بصدمة دبلوماسية مدوية موجهة مباشرة نحو البيت الأبيض. الهجوم الحاد الذي شنه ماكرون على السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وتحديداً رفضه القاطع لإعلانات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن التوصل إلى سلام نهائي في قطاع غزة، يفتح باباً واسعاً لتساؤلات عميقة حول طبيعة التباين الخفي والعلني بين الحلفاء الغربيين حيال أزمات الإقليم.
بين شعارات “السلام المزعوم” والواقع الإنساني المأساوي
لم يكن نقد ماكرون لمخرجات التهدئة مجرد تسجيل موقف عابر، بل جاء مفنداً بالأرقام والشواهد الميدانية. ففي الوقت الذي احتفى فيه ترامب بإنهاء الحرب في غزة معتبراً أن إدارته أنقذت آلاف الأرواح ودشنت مجلساً للسلام، كان الرئيس الفرنسي يضرب بقبضته على المنصة ليصف هذا الترويج بالمشهد “المخزي”.
تكمن المفارقة الأساسية التي أضاء عليها ماكرون في الفجوة الهائلة بين النصوص الورقية والواقع على الأرض؛ فالاتفاق المزعوم، بحسب الرؤية الفرنسية، عجز تماماً عن فتح ولو ممر إنساني واحد لتدفق الإغاثة العاجلة للمدنيين المحاصرين. هذا التناقض يطرح تساؤلاً جوهرياً حول مصداقية المنظومة الدولية إن استمرت في غض الطرف عن استمرار المعاناة الإنسانية والاكتفاء بالاحتفال بإنجازات وهمية.
الضفة الغربية وخطر تقويض المشروع الفلسطيني
ولم يتوقف السقف النقدي للخطاب الفرنسي عند حدود قطاع غزة، بل امتد ليعانق الأوضاع المتدهورة في الضفة الغربية. استنكر ماكرون الصمت الدولي المطبق حيال الانتهاكات اليومية هناك، متسائلاً عن المسوغات والأسباب في منطقة لا تنشط فيها حركة حماس أصلاً.
هذا التحذير يحمل بعداً استراتيجياً خطيراً، إذ يعتبر أن الممارسات الجارية والسياسات الاستيطانية – التي قابلتها باريس مؤخراً بعقوبات وطنية وحظر لمنتجات المستوطنات – تؤسس لـ “استحالة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة”. كما وجه رسائل مبطنة لتل أبيب بأن المساس بسيادة دول الجوار لا يحقق الأمن، بل يضعف الاستقرار المستقبلي لإسرائيل ذاتها.
الخلاصة في نقاط
- صدام علني: رفض فرنسي قاطع لادعاءات الإدارة الأمريكية بشأن تحقيق سلام ناجز في غزة.
- أزمة إنسانية عارية: اتفاقات التهدئة فشلت في تأمين أبسط ممرات الإغاثة للمحاصرين.
- تحذير استراتيجي: الضفة الغربية تواجه تقويضاً كاملاً لفرص الحل السلمي العادل.
مع اقتراب نهاية ولايته واختتام مسيرته على المنبر الأممي، أراد ماكرون أن يترك إرثاً يرفض الاستسلام لما وصفه بـ “العودة إلى قانون الغاب”. يظل المدى الذي يمكن أن تؤثر به هذه المواقف على السياسات الدولية المعاصرة رهناً بمدى قدرة القوى الأوروبية على ترجمة الخطابات الدبلوماسية إلى أفعال سياسية واقتصادية مؤثرة على الأرض.



