خلف كواليس التصريح المثير: لماذا يطالب عون بقوتين بديلتين لليونيفيل وما علاقة الفراغ الأمني؟

في خطوة سياسية غير مسبوقة، أثار الرئيس اللبناني السابق ميشال عون جدلاً واسعاً بتصريحه الأخير حول ترحيبه بأي قوات دولية “بديلة” لقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في حال قررت الأخيرة الانسحاب أو تعذر استمرار مهامها. هذا الموقف، الذي يأتي في توقيت بالغ الحساسية والتعقيد على الساحة الجنوبية، يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول الدوافع الحقيقية، التوقيت، والمخاطر الاستراتيجية المترتبة على استبدال قوة دولية قضى عقوداً في ترسيخ حضورها في بؤرة صراع ملتهبة. هل يرى عون شيئاً لا يراه غيره، أم أن الأمر مجرد مناورة سياسية لخلط الأوراق؟

لماذا يلوح عون بورقة الفراغ الآن؟

إن ربط دعوة عون بـ “تفادي فراغ أمني” هو نقطة الانطلاق لفهم تحليله للموقف. فبينما تنظر الحكومة اللبنانية الرسمية، والقوى السياسية الوازنة، والجيش اللبناني إلى اليونيفيل كعنصر استقرار حيوي ومنفذ أساسي لتطبيق القرار 1701، يبدو أن لدى عون قراءة مختلفة. يدرك الرجل، بحكم خبرته العسكرية والسياسية، أن التجديد لليونيفيل، رغم الروتين السنوي، أصبح يواجه تحديات متزايدة وسط التوترات الإقليمية وتهديدات بتوسيع رقعة الصراع. الانسحاب، سواء كان طوعياً أو نتيجة لظروف أمنية قاهرة، سيخلق بالفعل فراغاً فورياً في منطقة شديدة الانفجار، مما قد يعيد سيناريوهات ما قبل عام 2006 بحدة أكبر.

لكن هل يمكن القول إن عون يسعى إلى تفكيك الأزمة قبل وقوعها؟ أم أنه ينطلق من استنتاج أن اليونيفيل، بشكلها وصلاحياتها الحالية، أصبحت عاجزة أو غير مرغوب فيها من طرف محلي مؤثر في المعادلة؟ إن التحذير من الفراغ هو في حد ذاته مؤشر على شعور بالهشاشة في البنية الأمنية القائمة.

  • استشعار الخطر: ينبع موقف عون من قناعة بأن الوضع الراهن في الجنوب غير مستدام وقابل للانهيار في أي لحظة، مما يستعدي التفكير في خيارات غير تقليدية.
  • الشك في الفعالية: قد يرى حلفاء عون، وعلى رأسهم حزب الله، أن اليونيفيل هي غطاء لشبكة رصد دولية، وأن استبدالها بقوات ذات مهام قتالية محدودة أو مختلفة قد يخدم استراتيجيتهم الدفاعية.
  • سيادة منقوصة: لطالما انتقدت أطراف محسوبة على عون قيود الحركة التي تعمل بموجبها اليونيفيل، وقد ترى أن أي قوات أخرى يمكن أن تكون أكثر مرونة وتفهماً للتعامل مع ما تسميه “المقاومة”.

من البديل المقترح؟ سيناريوهات معقدة

المعضلة الكبرى في تصريح عون تكمن في كلمة “قوات بديلة”. عندما نتحدث عن الانسحاب من تحت مظلة الأمم المتحدة، فنحن نتحدث تلقائياً عن فراغ سياسي ودبلوماسي قبل أن يكون أمنياً. إن نجاح اليونيفيل يعتمد بالأساس على تفويض دولي واسع وغطاء أممي قوي، والذي بدونه ستصبح أي قوة أخرى هي مجرد قوة احتلال جديدة، أو في أحسن الأحوال، قوة غير شرعية في نظر جزء من المجتمع الدولي والأطراف اللبنانية. من هي القوى الدولية التي ستجرؤ على إرسال جنودها إلى الجنوب خارج عباءة الأمم المتحدة وفي بيئة سياسية شديدة الانقسام؟

إن البدائل المقترحة في ذهن عون تثير تساؤلات لا أجوبة لها:

  1. قوات تابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو): تبدو مستبعدة سياسياً وعسكرياً، فوجود الناتو على الحدود مع إسرائيل سيغير قواعد اللعبة بشكل دراماتيكي وسيثير ردود فعل إقليمية ودولية عنيفة من قبل إيران وسوريا وحلفائهما في المنطقة.
  2. تحالف دولي طوعي: هل يمكن تشكيل تحالف من دول “صديقة” للبنان، مثل فرنسا وروسيا أو الصين، للحلول محل اليونيفيل؟ هذا السيناريو دونه عقبات لوجستية، تمويلية، وقانونية هائلة، وقد يؤدي إلى تحويل لبنان إلى ساحة صراع بالوكالة بين الدول المشاركة.
  3. تعزيز الجيش اللبناني بشكل استثنائي: قد يكون هذا هو المطلب الضمني لعون، لكنه يطرح أسئلة حول قدرة الجيش، تسليحه، وتمويله، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، وقدرته على القيام بمهام اليونيفيل كاملة دون غطاء دولي مباشر يمنع إسرائيل من الاعتداء عليه.

السيناريو الأكثر ترجيحاً، والذي يخشاه المراقبون، هو أن يكون تصريح عون تمهيداً لقبول واقع أمني ينسحب فيه جزء من اليونيفيل، ويترك الساحة لترتيبات أمنية هشة أو مباشرة بين الجيش اللبناني وحزب الله بدعم غير معلن من قوى إقليمية، وهو ما سيعني نهاية القرار 1701 رسمياً.

الخلاصة في نقاط: اختبار للرؤية والسيادة

في المحصلة، يضع ميشال عون الجميع أمام مسؤولياتهم عبر طرح سيناريو “الخطة ب” في الجنوب اللبناني، لكنه في الوقت ذاته يفتح صندوق باندورا لا يمكن التنبؤ بمحتواه. هل يعكس هذا الموقف رغبة حقيقية في تعزيز السيادة الوطنية عبر البحث عن بدائل غير “أجنبية” وتابعة للمنظمة الدولية، أم أنه إعلان صريح بفشل المجتمع الدولي في حماية لبنان، وبالتالي دعوة ضمنية لتسليم زمام الأمور لقوى “الأمر الواقع” الداخلية تحت مسمى “قوات بديلة”؟

  • رؤية استباقية: يرى أنصار عون أن تصريحه ينم عن قراءة واقعية تستبق انهياراً محتملاً وتدعو إلى حلول جريئة ووطنية خارج الصندوق.
  • مخاطر وجودية: يحذر معارضوه من أن أي مساس بوضع اليونيفيل الحالي سيفتح الباب أمام الفوضى ويزيد من العزلة الدولية للبنان، ويجعل الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة مع قوى إقليمية.
  • امتحان للسيادة: إن المقياس الحقيقي لأي قوات بديلة هو مدى احترامها للقرار 1701، وخضوعها للدولة اللبنانية، وقدرتها على منع الأعمال العدائية من الجانبين. فهل تملك الدولة اللبنانية اليوم القدرة أو الإرادة لفرض هذا المقياس؟

إن دعوة ميشال عون لإحلال قوات بديلة لليونيفيل ليست سوى قمة جبل الجليد لأزمة أعمق تتعلق بمستقبل القرار 1701، ومصير السلاح غير الشرعي، وحدود السيادة اللبنانية في الجنوب في ظل التغيرات الجيوسياسية المتسارعة. فهل ينجح اللبنانيون في إدارة هذا الملف، أم سيقودهم هذا السيناريو، كما حذر عون، إلى فراغ أمني قاتل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *