ترامب يتحدى “المركزي”: الفائدة الأمريكية يجب أن تكون الأقل عالمياً بأي ثمن

في خطوة تعكس حجم التوتر المكتوم بين البيت الأبيض والسياسة النقدية للبلاد، فجر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قنبلة اقتصادية جديدة بمطالبته الصريحة والعلنية بضرورة خفض أسعار الفائدة الأمريكية لتصبح “الأدنى على مستوى العالم”. هذه التصريحات التي أطلقها على هامش بطولة “أيرلندا المفتوحة للجولف”، تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تفصلنا أيام قليلة عن الاجتماع الحاسم لمجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي)، مما يضع الأخير بين مطرقة الضغوط السياسية وسندان المؤشرات الاقتصادية المقلقة.

توقيت حرج: التضخم يتصاعد والانتخابات تقترب

لا يمكن قراءة تصريحات ترامب بمعزل عن الخريطة السياسية والاقتصادية المعقدة في الولايات المتحدة حالياً. فالرئيس الذي يسعى للحفاظ على الأغلبية الجمهورية في مجلسي النواب والشيوخ خلال انتخابات التجديد النصفي للكونجرس القادمة، يواجه معضلة حقيقية تتمثل في استطلاعات الرأي التي تشير إلى تنامي قلق الناخبين من ارتفاع “تكاليف المعيشة”.

اقتصادياً، تتصادم رغبات ترامب مع الواقع؛ فقد سجل مؤشر أسعار المستهلكين (المقياس الرئيسي للتضخم الأساسي) مؤخراً أكبر قفزة له منذ أربعة أشهر. هذا الارتفاع الحاد يمنح صُناع السياسة النقدية المبرر الفني القوي، بل وربما الحتمي، لرفع أسعار الفائدة في اجتماع الأربعاء المقبل لكبح جماح التضخم، وهو تماماً ما يرفضه ترامب الذي يرى أن الفائدة المنخفضة ضرورة استراتيجية بغض النظر عن بيانات التضخم.

كيفن وورش على المحك: اختبار استقلالية “الاحتياطي الاتحادي”

تضع هذه الأزمة رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي الحالي، كيفن وورش، في موقف لا يُحسد عليه. فرغم أن ترامب هو من اختار وورش شخصياً لهذا المنصب —مبدياً دعماً له يفوق سلفه جيروم باول— إلا أن العلاقة قد تشهد توتراً غير مسبوق في حال أقر المجلس زيادة الفائدة.

وقد حاولت الإدارة الأمريكية مسك العصا من المنتصف؛ حيث صرح كيفن هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني، بأن الرئيس سيحترم “استقلالية وورش” ومجلسه، لكنه مرر رسالة مبطنة وواضحة في ذات الوقت مؤكداً أن ترامب “لن يكون راضياً إطلاقاً” إذا تم إقرار أي رفع جديد للفائدة.

“سلاح التجارة”.. كيف يرى ترامب خريطة الاقتصاد العالمي؟

لم يكتفِ ترامب بالضغط الداخلي، بل ربط ملف الفائدة بالمنافسة الاقتصادية الشرسة مع الدول الأخرى. وتستند رؤية الرئيس الأمريكي إلى المحاور التالية:

  • إجهاض استفادة الخصوم: يرى ترامب أن معدلات الفائدة المرتفعة حالياً تمنح دولاً منافسة أفضلية اقتصادية على حساب الولايات المتحدة، وهو وضع يجب وقفه فوراً، خاصة وأن واشنطن تمتلك “أفضل تصنيف ائتماني في العالم” مما يؤهلها للاقتراض بفوائد صفرية تقريباً.
  • التهديد بوقف التجارة: في تصعيد لافت، لوّح ترامب مجدداً باستخدام ورقة العقوبات الاقتصادية، مهدداً بوقف التبادل التجاري مع أي دولة تسجل عجزاً تجارياً لصالحها مع الولايات المتحدة، في محاولة واضحة لإجبار الأسواق العالمية على التكيف مع شروطه.

الخلاصة: هل يرضخ البنك المركزي؟

يقف الاقتصاد الأمريكي الآن أمام لحظة فارقة. فإما أن يمضي مجلس الاحتياطي الاتحادي قُدماً في خططه التقنية لرفع الفائدة استجابةً لبيانات التضخم، متحدياً بذلك رغبة البيت الأبيض ومخاطراً بصدام سياسي عنيف، أو أن يرضخ للضغوط الرئاسية ويُبقي على الفائدة منخفضة، مما قد يهدد مصداقية واستقلالية البنك المركزي أمام أسواق المال العالمية. الأيام القليلة القادمة ستحمل الإجابة القاطعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *