القطاع غير النفطي يتحدى الأزمات: كيف قلص انكماش الاقتصاد السعودي في 2026؟

في ظل واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية التي عصفت بمنطقة الشرق الأوسط خلال عام 2026، واجه الاقتصاد السعودي اختباراً حقيقياً لصلابته. ومع اندلاع الحرب بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في أواخر فبراير الماضي، وما تبعها من إغلاق لمضيق هرمز، توقع الكثيرون شللاً تاماً لحركة التصدير. لكن البيانات الرسمية كشفت عن مشهد مختلف تماماً؛ حيث لعب القطاع غير النفطي دور “الدرع الواقي” الذي امتص الصدمة وقلص حجم الانكماش الاقتصادي بشكل ملحوظ.
الأرقام تتحدث: قراءة في الأداء الاقتصادي للربع الثاني
سجل الاقتصاد السعودي في الربع الثاني من عام 2026 انكماشاً هو الأسرع منذ بدء جمع البيانات في عام 2011، حيث بلغ -4.7% على أساس سنوي (تحسن طفيف عن القراءة الأولية البالغة -4.8% الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء). هذا الانكماش لم يكن مفاجئاً بالنظر إلى تعطل سلاسل الإمداد العالمية، لكن اللافت هو ما حدث خلف هذه الأرقام الإجمالية:
- القطاع النفطي: تراجع بحدة بنسبة 24.8% (مقارنة بنمو 2.9% في الربع الأول)، وتزامن ذلك مع انخفاض إنتاج النفط السعودي بنسبة 26% ليصل إلى 7.2 مليون برميل يومياً.
- القطاع غير النفطي: واصل صموده ونموه للفصل الـ 22 على التوالي، مسجلاً تحسناً في قراءة نموه من 0.6% إلى 0.9%. ورغم أنه تباطأ لمستويات ما بعد جائحة كورونا، إلا أن هذا النمو كان كافياً لتخفيف وطأة الانهيار في القطاع النفطي.
“بترولاين”.. الشريان الاستراتيجي الذي أنقذ صادرات النفط
كيف تمكنت السعودية من الاستمرار في تصدير ملايين البراميل يومياً رغم إغلاق مضيق هرمز؟ الإجابة تكمن في البنية التحتية الاستراتيجية الاستباقية.
استفادت المملكة من خط أنابيب شرق غرب “بترولاين”، والذي ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، بعيداً عن بؤرة الصراع في الخليج العربي. بفضل هذه المرونة اللوجستية، استطاعت السعودية تأمين صادرات حجمها 5 ملايين برميل يومياً. ورغم أن هذا الرقم أقل من مستويات ما قبل الحرب (التي كانت تتجاوز 7 ملايين برميل)، إلا أنه شكّل طوق نجاة للاقتصاد المحلي وضماناً لاستقرار أسواق الطاقة العالمية، حيث عوّض هذا الخط ما يقرب من ثلاثة أرباع الصادرات المعتادة.
شهادة دولية: السعودية الأقل تأثراً بالصدمات في المنطقة
لم تمر هذه المرونة دون إشادة دولية. في تقرير مشاورات “المادة الرابعة لعام 2026″، أكد صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد السعودي كان الأقل تأثراً بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة. وأرجع الصندوق هذه الصلابة إلى عدة عوامل جوهرية:
- الإصلاحات الهيكلية العميقة التي أرستها رؤية 2030.
- تكوين هوامش مالية قوية قادرة على امتصاص الصدمات المفاجئة.
- الاستثمارات الاستباقية الضخمة في البنية التحتية للطاقة والخدمات اللوجستية.
- كفاءة الإدارة الحكومية في التعامل مع الأزمات الطارئة.
من 2025 إلى 2027: مسار التعافي والقفزة المتوقعة
لفهم حجم التحول الحالي، يجب النظر إلى ما تحقق في عام 2025، والذي شهد أسرع وتيرة نمو في ثلاثة أعوام بنسبة 4.6%، مدفوعاً بوصول مساهمة القطاع غير النفطي والقطاع الخاص إلى مستويات تاريخية بلغت 55% و51% على التوالي.
ورغم أن صندوق النقد الدولي خفض توقعاته لنمو العام الجاري 2026 إلى 1.7% بسبب الحرب، إلا أن النظرة لعام 2027 تحمل تفاؤلاً كبيراً. فقد رفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي في العام المقبل إلى 5.5%، متجاوزاً حتى تقديرات وزارة المالية السعودية (البالغة 3.7%).
هذه التوقعات تضع المملكة في مرتبة مرشحة لتسجيل أعلى نمو لها خلال 5 أعوام، وثاني أعلى معدل نمو متوقع بين دول مجموعة العشرين (G20) العام المقبل. ويؤكد هذا المسار أن تنويع الاقتصاد لم يعد مجرد خطة مستقبلية، بل أصبح واقعاً ملموساً يحمي مقدرات الدولة في أشد الأوقات حرجاً.



تعليق واحد