سقوط شبكة تزييف الجنسية التركية: صفقات وهمية بـ3.5 مليارات ليرة تورط كبرى شركات الإنشاءات

لم تكن المعاملات العقارية التي رافقت طفرة الاستثمار الأجنبي في السنوات الأخيرة مجرد أرقام تُسجل في دوائر “الطابو”، بل تحولت خلف الكواليس إلى شبكة معقدة من التلاعبات والمبيعات الصورية. ومع إعلان السلطات التركية عن بدء إجراءات إسقاط الجنسية عن 1070 شخصاً، انكشف الغطاء عن واحدة من أكبر عمليات التحايل القانوني والاستثماري التي هزت السوق العقاري وأطاحت بشركات إنشاءات كبرى.

خيوط اللعبة: كيف بدأت موجات الملاحقة القضائية؟

بدأت القصة حين رصدت الأجهزة الأمنية في إسطنبول، بالتنسيق مع النيابة العامة، مؤشرات غير طبيعية في تقارير تقييم العقارات المرتبطة بطلبات الحصول على الجنسية الاستثنائية. الانطلاقة الأولى للتحقيقات تركزت حول شبهات مرتبطة بشركة “باباجان للإنشاءات”، لتتوسع الدائرة لاحقاً وتكشف عن موجة ثانية أطاحت بشركات بارزة أخرى مثل “غول إنشآت”، و”بياز إنشآت”، و”ليف إنشآت”.

أكدت التحقيقات أن مئات المستثمرين الأجانب حصلوا على الجنسية التركية وأفراد عائلاتهم عبر صفقات عقارية صورية لم تعكس القيمة الحقيقية للوحدات، متجاوزة إجمالي قيمتها حاجز 3.5 مليارات ليرة. الشراكة الخفية بين بعض الوسطاء وطالبي الجنسية أدت إلى تمرير وثائق مزورة وتقارير تقييم مضللة تستند إلى تضخيم سعر العقار أو إعادة جزء من الأموال للمشتري بعد إتمام التحويل المصرفي.

خلف الستار: أساليب التزوير وحيل العقارات الوهمية

لم تكن عملية الالتفاف على القانون تقليدية، بل اعتمدت على ثغرات دقيقة استغلتها شبكات منظمة:

  • تضخيم القيم السعرية: استغلال الحد الأدنى المطلوب للاستثمار (الذي انتقل من 250 ألف دولار إلى 400 ألف دولار) عبر رفع قيمة عقارات زهيدة بطرق غير مشروعة.
  • استخدام أختام ووثائق مزورة: توظيف أوراق منسوبة لجهات رسمية وإجراء عمليات بيع متكررة للوحدة السكنية ذاتها لأكثر من شخص عبر مستندات مضللة.
  • التلاعب بملفات العائلات: تقديم معلومات غير صحيحة حول أعمار الأبناء لتمرير من تجاوزوا سن الثامنة عشرة ضمن ملف تجنيس الأب.

هذا التلاعب المنهجي لم يضر فقط بالنزاهة القانونية، بل خلق فقاعة سعرية أثرت على مؤشرات السوق العقاري العام في البلاد.

إجراءات صارمة وتدابير احترازية غير مسبوقة

لم تقتصر التحقيقات على إسقاط الجنسية فحسب، بل رافقتها إجراءات قضائية ومالية صارمة شملت توقيف 72 مشتبهاً فيه من أصل 88، وفرض تدابير احترازية طالت 2011 عقاراً، وفندقين، و86 مركبة، ويختين، و42 حساباً مصرفياً، إلى جانب تعيين حراس قضائيين لإدارة 30 شركة ثبت تورطها في المخالفات.

المراجعة القانونية لملفات التجنيس استندت إلى المادة 31 من قانون الجنسية التركية، والتي تمنح الدولة الحق في إسقاط الصفة المدنية عن كل من ثبت حصوله عليها بطرق تنطوي على تضليل أو تزوير، بغض النظر عن المدة المنقضية منذ صدور القرار.

الخلاصة في نقاط

  • حملة شاملة: إسقاط المرتقب للجنسية عن 1070 فرداً تورطوا في صفقات صورية.
  • شركات تحت المجهر: تورط أسماء إنشاءات كبرى في شبكات التقييم المضلل.
  • رسالة حازمة: التأكيد الرسمي على أن الجنسية التركية استحقاق قانوني وليست سلعة خاضعة للمضاربة والتزوير.

تضع هذه التحقيقات قطاع العقارات التركي أمام مرحلة جديدة من الشفافية المطلقة، مع تفعيل بوابات التحقق الرقمية المشددة مثل “Web-Tapu” ووثائق الشراء المصرفي “DAB”، لقطع الطريق نهائياً أمام محاولات الالتفاف على القانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *