بعد الانفراجة النووية.. دمشق وواشنطن تسرّعان خطوات رفع العقوبات لإنقاذ الاقتصاد

في تحول دبلوماسي لافت قد يعيد رسم خريطة الاقتصاد السوري، تتسارع وتيرة التنسيق المباشر بين دمشق وواشنطن لطي صفحة القيود المالية الطويلة. المحادثات الهاتفية الأخيرة بين وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ونظيره الأمريكي، ماركو روبيو، كشفت عن انتقال العلاقات من مرحلة “إبداء النوايا” إلى مناقشة الآليات التقنية المعقدة، فكيف ستنعكس هذه الخطوات على الشارع السوري وخزائن المصارف؟
من الورق إلى الواقع: فك العزلة عن القطاع المصرفي
لم تعد التصريحات السياسية كافية لإنعاش الأسواق السورية؛ وهو ما أدركته الدبلوماسية السورية خلال مباحثاتها الأخيرة. فقد تركز المطلب السوري الأساسي على ضرورة الانتهاء الفوري من الإجراءات التنفيذية والفنية التي تعرقل حتى الآن التطبيق الفعلي لقرارات إزالة العقوبات.
ويشكل القطاع المصرفي حجر الزاوية في هذه المباحثات، حيث تضع الحكومة السورية فك العزلة عن بنوكها كأولوية قصوى. بدون قنوات مالية دولية مفتوحة، يبقى الحديث عن جذب الاستثمارات الأجنبية، أو تمويل مشاريع التعافي، أو توسيع شبكة التجارة الخارجية مجرد حبر على ورق. لذلك، تضغط دمشق لترجمة التوجهات الأمريكية الجديدة إلى سيولة وحركة مالية ملموسة تُخرج الاقتصاد من حالة الركود.
ماذا تريد واشنطن في المقابل؟
على الجانب الآخر، لا تأتي التحركات الأمريكية نحو تخفيف العقوبات دون محددات واضحة. وقد عكس بيان الخارجية الأمريكية، عبر متحدثها تومي بيغوت، أولويات إدارة واشنطن في هذه المرحلة، والتي ترتكز على مسارين:
- الأمن الإقليمي: ربط التعافي الاقتصادي السوري بلعب دمشق دوراً فاعلاً في دعم استقرار المنطقة ومنع التصعيد.
- الاندماج الداخلي: تشديد الوزير الأمريكي “ماركو روبيو” على ضرورة استمرار جهود دمج كافة الأقليات في النسيج السوري كشرط أساسي لضمان استدامة النمو وتطوير العلاقات الثنائية.
الملف النووي.. بطاقة العبور نحو الاستقرار
الزخم الإيجابي الذي تشهده العلاقات الثنائية اليوم لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة لتعاون تقني مهد الطريق للتقارب السياسي. فقد حظيت دمشق بإشادة أمريكية صريحة نظير تعاونها الأخير مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
هذا التعاون تُوج في التاسع من سبتمبر/أيلول الجاري بإنجاز دبلوماسي هام، تمثل في إعلان مجلس محافظي الوكالة طي ملف “عدم الامتثال” المتعلق بالتزامات سوريا ضمن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. استيفاء هذه المتطلبات القانونية والفنية كان بمثابة إشارة خضراء لواشنطن لتسريع خطوات التخفيف الاقتصادي.
الخلاصة: بيئة جديدة للاستثمار
تدرك القيادتان في دمشق وواشنطن أن استمرار المشاورات هو الضمان الوحيد لعدم تعثر هذا المسار. وإذا ما نجحت اللجان الفنية في تذليل العقبات المصرفية الأخيرة، فإن الاقتصاد السوري سيكون على موعد مع بيئة تجارية أوسع وأكثر مرونة، تفتح الأبواب أمام تدفق رؤوس الأموال التي طالما وقفت العقوبات حاجزاً منيعاً أمامها.



