بعد إغلاق ملف التحالف الدولي: هل ينفجر صراع “السلاح والسيادة” في العراق؟

في خطوة مفصلية تُعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، طوى العراق رسمياً في 30 سبتمبر 2026 صفحة المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” بعد نحو 12 عاماً على تشكيله. وبينما تعتلي بغداد منصة التتويج السياسي بإعلان مرحلة “السيادة الكاملة”، تفجر الواقع الميداني سريعاً عن مواجهة أكثر تعقيداً؛ مواجهة لا تقودها الجيوش الأجنبية هذه المرة، بل يدور محورها حول سؤال أزلي: من يملك حق الاحتكار الشرعي للقوة داخل الدولة؟
إن خروج القوات الأجنبية من قاعدة أربيل الجوية وإنهاء عملية “العزم الصلب” لم ينهِ الصراع على جبهة الاستقرار؛ بل نقل ثقل المعركة إلى الداخل، حيث تتصادم الرؤية الحكومية الساعية لإعادة رسم هيكل المؤسسات الأمنية مع إصرار الفصائل المسلحة على الاحتفاظ بسلاحها الموازي.
القرار الوطني واختبار الجاهزية الميدانية
جاء الإعلان الرسمي على لسان رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي، الذي أشار إلى الانتقال المباشر إلى مرحلة المسؤولية الأمنية المطلقة. خطة بغداد لم تتوقف عند حدود الخطابات السياسية في “يوم السيادة”، بل تُرجمت فورياً بترؤس الزيدي اجتماعاً استثنائياً للمجلس الوزاري للأمن الوطني، لوضع ترتيبات العمل التنفيذي وتأكيد أن القرار العسكري والأمني بات وطنيا خالصاً.
وأوضح الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، أن التوجيهات الصادرة ركزت على تحسين مستوى التنسيق الاستخباري، وتحديث قواعد البيانات، والاعتماد على التقنيات الرقمية المتقدمة. وتتضمن الخطة الحكومية بناء شبكة من الشراكات الأمنية الثنائية الأكثر تركيزاً مع دول التحالف السابقة بعيداً عن الاستقطاب الإقليمي، بالتوازي مع توطين الصناعات العسكرية الوطنية عبر الشراكة مع شركات عالمية متخصصة.
من جانبه، اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن مغادرة القوات الأميركية بصفة “نهائية” تشكل انتصاراً مشتركاً أتى بعد إنجاز مهمة دحر تنظيم “داعش”. وفي السياق ذاته، يرى المبعوث الأميركي الخاص توم باراك أن اللحظة -التي تأتي بعد 23 عاماً من الدخول الأميركي للأراضي العراقية- توفر فرصة تاريخية لبغداد لتوحيد جميع التشكيلات العسكرية تحت مظلة قيادة واحدة، والتعامل مع واشنطن كحليف استراتيجي لا كحامي عسكري.
كواليس مفاوضات الـ 40 يوماً: لماذا فشلت التوافقات مع الفصائل؟
خلف الستار، لم تكن الأجواء المرافقة للانسحاب بنفس المستوى من التوافق. فقد كشفت البيانات الصادرة عن “المقاومة الإسلامية في العراق” عن تعثر حاد في المحادثات المباشرة مع السلطة التنفيذية. المفاوضات التي أدارتها لجنة رباعية شكلها “الإطار التنسيقي” واستمرت لأكثر من 40 يوماً بهدف تنظيم سلاح الفصائل، وصلت إلى طريق مسدود قبل ساعات فقط من إعلان الانسحاب.
وتتجلى نقطة الخلاف الجوهرية في اشتراط الفصائل تحقيق “سيادة كاملة” تتجاوز الخروج البري لتشمل إنهاء أي حضور عسكري أو جوي أو بحري لأمريكا وقوات “الناتو”، فضلاً عن التحكم التام بالأجواء. ورغم التوقيع على ورقة اتفاق أولية تضم “الفصائل الأربعة”، أكدت هذه الجماعات أنها لم تتلق رداً حكومياً حتى مساء الأربعاء، مما يرفع عنها -حسب تعبيرها- أي التزام بالتوقيتات الرسمية المعلنة.
وعكست تصريحات الأمين العام لكتائب حزب الله، أبو حسين الحميداوي، عمق الفجوة؛ إذ أكد عدم الوصول إلى نتيجة مع رئيس الوزراء داعياً إلى “البدء من جديد لتأطير اتفاق متين”. وطرح الحميداوي رؤية تتيح بقاء هيكلية “المقاومة” إلى جانب الأجهزة الرسمية، مع الاكتفاء بوقف العمليات الميدانية والتحركات اللوجستية مؤقتاً، واستثناء عمليات تصدي الفصائل لأي اختراق جوي معادي لحين اكتمال منظومات الدفاع الجوي التابعة للدولة.
إجماع برلماني وسياسي: حصر السلاح وحظر المحاور
في مقابل تحفظات الفصائل، اتخذت المؤسسة التشريعية موقفا مسانداً للخط الحكومي الداعي لإنهاء ظاهرة “السلاح السائب”. حيث أعلن رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي موقفاً حازماً يتلخص في عدم جواز وجود أي قوة خارج مؤسسات الدولة، أو قرار يعلو فوق القرار الوطني الرسمي، مشدداً على أن العراق لن يكون منطلقاً للاعتداء على دول الجوار أو ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
هذا الموقف أيده أيضاً رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، الذي اعتبر أن استكمال عناصر السيادة يتطلب احتكار الدولة الحصري لقرار الحرب والسلام، وتدعيم سلطة المؤسسات الدستورية فوق أي اعتبارات تنظيمية أخرى.
الخلاصة في نقاط
- تحول نمط التواجد الأجنبي: طي صفحة المهمة العسكرية للتحالف الدولي (العزم الصلب) والانتقال لشراكات أمنية وتقنية ثنائية.
- معادلة السلاح الموازي: إصرار الحكومة برئاسة الزيدي والبرلمان على حصر القوة العسكرية بيد المؤسسات الرسمية، مقابل تمسك الفصائل بسلاحها واشتراطها إنهاء كافة أشكال التواجد الأجنبي الجوي والبحري.
- انسداد المفاوضات: تعثر محادثات اللجنة الرباعية التابعة للإطار التنسيقي بعد 40 يوماً من الحوار دون الوصول لاتفاق مبرم بين بغداد والفصائل.
- إعادة ترتيب الأولويات الأمنية: التركيز العراقي المستقبلي على الاستخبارات الاستباقية، تطوير التصنيع العسكري المحلي، وتعزيز منظومات الدفاع الجوي.
تضع مرحلة “ما بعد التحالف الدولي” الدولة العراقية أمام اختبار حقيقي؛ فإنهاء الوجود العسكري الأجنبي يمثل خطوة أساسية، لكن التحدي الأكبر يكمن في قدرة بغداد على فرض خيار “حصر السلاح بيد الدولة” وإقناع الفصائل بدمج قدراتها ضمن الهيكل الأمني الرسمي، لضمان ألا تتحول مرحلة السيادة إلى مرحلة جديدة من الانقسام الداخلي.



