تسوية أرامكو والتوترات الجيوسياسية: قراءة تحليلية في أرقام عجز الميزانية السعودية

في مشهد اقتصادي مليء بالمتغيرات، كشفت بيانات الربع الثالث لعام 2026 عن مفارقة مثيرة للاهتمام في هيكل الاقتصاد السعودي؛ ففي الوقت الذي سجلت فيه الإيرادات غير النفطية قفزة تاريخية لتصل إلى ثاني أعلى مستوياتها الفصلية على الإطلاق، اتسع عجز الميزانية السعودية بشكل ملحوظ مقارنة بالربع السابق.

هذه المفارقة تطرح تساؤلاً جوهرياً: إذا كانت قطاعات الاقتصاد غير النفطي تنمو بهذه القوة، وترافق ذلك مع خفض في الإنفاق الحكومي، فما الذي دفع العجز للارتفاع إلى 84.3 مليار ريال؟ الإجابة تكمن في كواليس تسوية مالية استثنائية مع “أرامكو”، واستراتيجية حكومية واضحة لامتصاص الصدمات الجيوسياسية وتأمين استقرار الأسواق المحلية.

الأرقام تتحدث: المشهد المالي للربع الثالث 2026

لفهم الصورة الكلية، يجب تفكيك أرقام الميزانية التي تعكس تحولاً جذرياً في مصادر الدخل الحكومي:

  • الإيرادات غير النفطية: ارتفعت بنسبة 20% على أساس سنوي لتسجل 142.6 مليار ريال، مستحوذة على نحو 55% من إجمالي الإيرادات (وهي أعلى مساهمة فصلية منذ أواخر عام 2020).
  • الإيرادات النفطية: تراجعت بنسبة 23% لتصل إلى 116.5 مليار ريال.
  • إجمالي الإيرادات: انخفض إلى 259.1 مليار ريال.
  • الإنفاق الحكومي: تراجع بنسبة 4% على أساس سنوي ليصل إلى 343.4 مليار ريال.
  • العجز الفصلي: استقر عند 84.3 مليار ريال (متراجعاً 5% عن العام الماضي، ولكنه قفز بوضوح مقارنة بعجز الربع الثاني البالغ 34.3 مليار ريال).

لغز تراجع الإيرادات النفطية.. ماذا حدث مع “أرامكو”؟

بحسب الخبراء، ومنهم تيم كالين (رئيس بعثة صندوق النقد الدولي الأسبق للمملكة)، فإن اتساع العجز جاء أكبر من التوقعات الأولية. السبب الرئيسي لا يعود لضعف الاقتصاد، بل إلى تسوية ضريبية ضخمة بين الحكومة وشركة “أرامكو السعودية”.

أوضحت النتائج المالية لـ “أرامكو” أنها قامت بتسوية التزاماتها الضريبية مقابل مستحقات لها على الدولة. بعبارة أبسط: الحكومة تدين لأرامكو بمبالغ مالية (يُرجح الخبراء أنها فروقات بين الأسعار العالمية وأسعار الوقود المدعومة محلياً للمواطنين). وبدلاً من دفع هذه المستحقات نقداً، تم خصمها من الضرائب التي تدفعها الشركة للدولة.

نتيجة هذه التسوية: انهارت مدفوعات ضريبة الدخل المحولة من أرامكو للخزانة إلى 2.8 مليار ريال فقط في الربع الثالث، هبوطاً من 50.9 مليار ريال في الربع الثاني. هذا الخصم الدفتري الضخم هو السبب الجوهري وراء التراجع الحاد في الإيرادات النفطية واتساع العجز الحكومي، وفي المقابل، كان هذا الإجراء سبباً مباشراً في قفزة الأرباح المعدلة لشركة أرامكو.

فاتورة الاستقرار: الإنفاق الحكومي كدرع واقٍ

عند النظر إلى الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، نجد أن العجز التراكمي بلغ نحو 244.3 مليار ريال. ورغم هذا الرقم، أظهرت البيانات ارتفاع الإنفاق العام بنسبة 8% خلال هذه الفترة، مع تركيز ملحوظ على الإنفاق الرأسمالي والمصروفات الموجهة لبرامج الدعم.

هذا الإنفاق السخي ليس عشوائياً، بل هو قرار استراتيجي يهدف إلى:

  1. كبح التضخم: من خلال تحمل الدولة لأسعار الوقود ودعم السلع الأساسية، مما حافظ على استقرار التضخم محلياً رغم تقلبات الأسواق العالمية.
  2. الصلابة الاقتصادية: توظيف الموارد المالية لحماية الاقتصاد من التداعيات العنيفة للأزمات الجيوسياسية، خاصة مع التصعيد العسكري في المنطقة وتوسع نطاق هجمات الميليشيات اليمنية الموالية لإيران.

وفي هذا السياق، يؤكد تيم كالين أنه “من ناحية السياسة الاقتصادية، لا توجد مشكلة في الإنفاق الزائد خلال هذه الفترة الحرجة”، طالما أنه يخدم استقرار الدولة، مع التوصية بضرورة العودة للانضباط المالي فور هدوء الأوضاع الإقليمية.

نظرة للمستقبل: هل يستمر اتساع العجز؟

مع اقتراب نهاية العام، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يصل عجز الميزانية السعودية إلى نحو 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي، متأثراً بالتوترات الأمنية الإقليمية.

ومع ذلك، تبدو الصورة للربع الرابع من 2026 أكثر تفاؤلاً. فالتسوية الضريبية مع أرامكو يُعتقد أنها إجراء “لمرة واحدة”، مما يرجح عودة الإيرادات النفطية لتسجيل نمو قوي في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام، لتعود الموازنة إلى مسارها الطبيعي مدعومة بنمو قياسي ومستدام للقطاعات غير النفطية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *