الرئيسية / مقالات الرأي / متي يشعر أثرياؤنا بالغيرة من أثرياء الغرب؟

متي يشعر أثرياؤنا بالغيرة من أثرياء الغرب؟

كلما قرأت أو سمعت عن العطاء الخيري لأثرياء في الغرب وحجم هذا العطاء وضخامته تذكرت سلوك العديد من أثريائنا الذين حباهم الله بالرزق الوفير وأنعم عليهم بخيراته ولا يقدمون لفقرائنا إلا الفتات.. مع أننا أتباع دين سماوي يفرض علينا الزكاة ويحثنا علي الصدقات التطوعية وتؤكد لنا نصوصه الواضحة والصريحة أن في أموالنا “حق معلوم للسائل والمحروم” وأن الزكاة مفروضة شرعاً لتحقيق التكافل الاجتماعي.

في كل مجتمعات العالم فقراء. وقد شاهدنا في شوارع العديد من الدول الأوروبية “محرومين” يتسولون طعامهم وشرابهم ويبحث بعضهم عنه في صناديق فضلات الطعام.. ولا شك أن توفير احتياجات هؤلاء وغيرهم من أصحاب الحاجات ليس مسئولية الدولة وحدها.. بل هو أيضا مسئولية القادرين مادياً في كل مجتمع ومن عظمة شريعتنا أنها وضعت نصاباً للزكاة فليس ضرورياً أن تكون مليونيراً لكي تزكي أو تتصدق.. بل يكفي أن تكون مستوراً لكي تسهم في إعانة فقير أو مسكين أو تفك كرب غارم.

كل فترة تنقل لنا وسائل إعلامنا قائمة طويلة بأثرياء مصر وحجم ما يمتلكون من أموال وشركات ومشروعات ويسعدنا بالتأكيد أن تكون في بلادنا هذه الأموال وتلك الاستثمارات للمساهمة في حل مشكلاتنا الاقتصادية وتوفير فرص عمل لكل من يبحث عن عمل.. لكن من حقنا أن نتساءل: هل هذا العدد الكبير من المليونيرات يسهم في رعاية أصحاب الحاجات في المجتمع المصري ويدرك مسئولياته الاجتماعية.. أم أنه يترك هذا العبء الثقيل علي خزينة الدولة المرهقة أصلاً بالأعباء الضرورية لمحدودي الدخل؟
هذا العدد الكبير من المليارديرات والمليونيرات الذين تتزايد وتنمو ثرواتهم كل عام في بلادنا عليهم واجبات تجاه المجتمع المصري الذي وفر لهم كل مقومات النجاح وحصدوا من ورائه مكاسب ضخمة. وعليهم جميعا أن يدركوا أن ما نحثهم عليه ونذكرهم به ليس منحة أو هبة من غني لفقير.. بل هو فريضة دينية بنص القرآن الكريم. كما أنه واجب اجتماعي ووطني لا يجوز التخلي عنه.

* * *
لقد كشفت دراسة جامعية حديثة ضآلة ما يقدمه أثرياؤنا من عطاء خيري رغم تنامي ثرواتهم وأكدت أن هؤلاء الأثرياء لا يقدمون إلا الفتات لأصحاب الحاجات وأنهم لو قدموا المقادير الشرعية لزكواتهم ما بقي في بلادنا فقير واحد. وهذا الكلام أكده من قبل مفتي الجمهورية الأسبق الدكتور نصر فريد واصل من خلال دراسة شاملة كما أكده العديد من خبراء وأساتذة الاقتصاد وفي مقدمتهم الدكتور محمد عبدالحليم عمر أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر ولذلك يجب علي مؤسساتنا الدينية وفي مقدمتها الأزهر الشريف ألا تكف عن تذكير وتحفيز هؤلاء لتقديم التزاماتهم الشرعية والوطنية.

منذ أيام قرأت أن عدداً من كبار الأثرياء في أوروبا قرروا التخلي عن معظم أموالهم لصالح الجمعيات الخيرية واحتفظوا منها بالقليل من أمثال الملياردير “وارين بافيت” الذي قدم جزءاً كبيراً من ثروته للأعمال الخيرية وتبرع بنحو 4.3 مليار دولار من أسهم شركته “بركشاير هاثاواي” لمؤسسات خيرية ضمن خطته الخاصة بالتبرع بأغلب ثروته للعمل الخيري.. وعلي نفس الطريق سار الملياردير.

“مارك زوكربيرج” ثالث أغني رجل في العالم والذي أعلن أنه سيتبرع بـ99% من ثروته.. وقبلهما كان “بيل جيتس” مؤسس شركة مايكروسوفت والذي أعلن عن خطته التبرع بأغلب ثروته أيضا للأعمال الخيرية بل إن مجلة “فوربس” قالت إن بيل جيتس كان يمكن أن يظل محتفظاً بلقب أغني رجل في العالم لولا تبرعاته الضخمة والتي جعلته صاحب أكبر تبرعات في القرن حتي اليوم بقيمة 6.4 مليار دولار.

وبالتأكيد إقدام هؤلاء علي هذه الخطوة يؤكد أنهم أدركوا أن مجرد جمع الأموال وتكثيرها لن يفيدهم في شيء ولن يحقق لهم السعادة فسوف يرحلون حتما ويتركون ما جمعوه وحرموا منه الفقراء فجاءت قراراتهم التي وجدت صدي كبيراً في الغرب وحفزت أقرانهم علي السير في طريقهم.. ونحن في مصر نحتاج إلي “أثرياء قدوة” يبدأون خطوات علي طريق الخير ويضعون بصمات إنسانية في المجتمع الذي رعاهم ووفر لهم كل مقومات النجاح.

لا نطالب أثرياءنا بالتخلي عن أموالهم لصالح الفقراء والمحتاجين لكن نحثهم علي تقديم حقوق هؤلاء في أموالهم.. فالقرآن الكريم يحمل نصاً صريحاً يقول: “وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم” ولا ينبغي أن يقف هؤلاء عند الزكوات المفروضة فساحة العطاء الخيري تتسع لما هو أكثر من الزكاة من خلال الصدقات التطوعية التي هي أبرز صور العطاء الإنساني.

ينبغي أن يشعر أثرياؤنا بالغيرة من أثرياء الغرب الذين يتسابقون في العطاء الإنساني ويسجلون مواقف تؤكد أنهم أكثر إدراكا لوظيفة المال في حياة الناس من أثريائنا مع أننا اتباع دين تؤكد نصوصه أن الزكاة فريضة اجبارية وليست عملاً اختيارياً وأن الصدقات التطوعية من أفضل الأعمال التي تقرب الإنسان من خالقه في البلاد التي لا تدين بالإسلام ولا يوجد في عقائدها فرائض مالية مثل الزكاة نري أبرز صور العطاء الخيري ويبهرنا الأثرياء ورجال الأعمال فيها بقرارات تؤكد أنهم أكثر منا تعقلاً ووعياً بما يقدمون عليه.. وكل ما نتمناه أن يسير أثرياؤنا علي خطاهم وأن نري سباقاً محموماً بين الأثرياءفي مصر لانفاق الأموال بسخاء علي كل أصحاب الحاجات من فقراء وغارمين ومرضي وأيتام وغيرهم.

بقي أن نذكر رجال أعمالنا بأن أفضال هذا البلد عليهم كثيرة فقد وجدوا كل الدعم لمشروعاتهم وحصلوا علي مساحات شاسعة من الأراضي ومعها بعض شركات القطاع العام بأسعار زهيدة.. وأقبل الشعب بكل فئاته علي منتجاتهم وحقق لهم الرواج التجاري الذي عاد عليهم بأرباح طائلة.. وعليهم أن يعيدوا بعض الفضل لأصحابه.

بقلم: بسيوني الحلواني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *