الرئيسية / خواطر وتدوينات / غرائب التعليم في اليابان
التعليم في اليابان

غرائب التعليم في اليابان

بقلم/ د. مروة مجدي

تعد اليابان بالنسبة لدول العالم وبخاصة دول الشرق الأوسط بلاد الغرائب، فكل فترة نسمع عن معلومة أو انجازٍ جديد أواختراع أو سلوك متميز  لشعب اليابان فنصاب بالدهشة في كل مرة، حتى تعودنا على ذلك وأصبحت اليابان بالنسبة لنا كوكباً آخر، ولماذا لا تكون كذلك وهي دولة بلا موارد، وأكثر بقاع الأرض عرضة للزلازل والبراكين والأعاصير المدمرة، فلا يمر عليها عام دون حدوث كارثة طبيعية تحصد الأموال والأرواح، ورغم ذلك تظل محتفظة بمكانتها الاقتصادية والعلمية، فيكفي أن هيروشيما عادت كما كانت في السابق قبل سقوط القنبلة النووية خلال عشر سنوات فقط.

فما السر في ذلك ؟ تشترك اليابان مع باقي دول النمور الآسيوية في الاهتمام بالتعليم والنظام والقانون، ولكن تبقى تجربة اليابان في التعليم مختلفة بشكل يدعو إلى الغرابة في بعض الأحيان، حتى إن كثيراً من اليابانيين أنفسهم انتقدوا نظام التعليم في بلادهم في الوقت الذي أشاد به معظم الدول المتقدمة، فاعترفت أمريكا، بأن تجربة اليابان في التعليم أبهرت العالم وتفوقت على ما سواها من الدول العملاقة، فهي تحتل المرتبة الأولى عالمياً من حيث عدد براءات الاختراع سنوياً، وتحتل مراتب متقدمة في تصنيف الجامعات وتزاحم الجامعات الكبرى في أمريكا وبريطانيا، وقد أعلنت اليابان في عام 2000م، أنها تخلو من الأمية وأن الشخص الذي لا يجيد لغة أجنبية أو لا يستطيع التعامل مع الكمبيوتر يعد في عداد الأميين !

 التعليم في اليابان

نظام الدراسة  في اليابان شاق جداً، فيبدأ اليوم الدراسي من الساعة الثامنة صباحاً وينتهي في الرابعة مساءً، وينصرف المعلمون في السابعة مساءً، ويبدأ العام الدراسي في شهر إبريل وينتهي في 31 مارس من العام التالي، والإجازات محصورة في عطلة الربيع وتكون حوالي عشرة أيام وعشرة أيام أخرى في بداية السنة الميلادية، والعطلة الصيفية تترواح بين أربعين أو خمسة وأربعين يوماً، فيدرس الطالب 300 يوم من 365يوم في العام الدراسي الواحد، ويذهب الطلاب للدراسة يوم السبت للحضور في الفصول المخصصة في تطويرالمهارات، وفي العطلات الصيفية يكلف الطلاب ببعض الواجبات والمشاريع وتظل الأنشطة الرياضية مستمرة في المدرسة بلا انقطاع.

هناك ضلع آخريوازي كثافة المواد العلمية، وهو تنمية الجانب الاجتماعي والأخلاقي لدى الطالب، فتوجد مادة اسمها “الطريق إلى الأخلاق” تدرس بداية من الصف الأول حتى الثالث المتوسط، ولا يوجد رسوب في هذه المرحلة، لأن الهدف هو غرس القيم السامية في نفوسهم، وتعويدهم على النظام والمسؤولية وروح الجماعة، فلا يوجد عامل نظافة في المدرسة  فالطلاب هم من ينظفون المدرسة يومياً لمدة عشرين دقيقة، وكل طالب يحضر وجبة غدائه من المطبخ بنفسه وهم مقسون إلى مجموعات وكل مجموعة منوط بها عمل معين ولها قائد  فمجموعة مختصة بالنظافة وأخرى بالطعام وأخرى بالمواد الدراسية، وكل مجموعة تعقد ما يسمى بجلسة الاعتراف ليناقش من خلالها القائد مدى نجاحهم في تحقيق المهام المفترض إنجازها، ثم يهنئون أنفسهم بحرارة، فلا تخرج المدرسة تلاميذ أذكياء ومتفوقون علمياً فقط، ولكنه جيل مسئول ومنظم ومتواضع، فالأساس هناك اعتماد الطلاب على أنفسهم وقدراتهم الذاتية، وما يعزز ذلك طريقة العقاب فيكتفي المعلم في عقاب المذنب بتوبيخ زملائه له حتى يشعر بالذنب، وتجد الشعارات في كل مكان التي تركز على تعزيز الثقة بالنفس والنشاط والإرادة، فاليابان لا تعترف بالموهبة والذكاء الفطري ولكن الأساس لديها الجد والاجتهاد، بزيادة الكم المعرفي وثقل العبء الدراسي، فمستوى التلميذ الياباني يزيد عامين عن نظيره في الدول المتقدمة وفقاً للإحصائيات الأخيرة.

فيعامل الطالب على أنه “ثروة” فتجد مدير المدرسة يتناول وجبته قبل التلاميذ بنصف ساعة، ليتأكد من سلامته وعندما سئل واحد منهم عن ذلك، قال إنهم مستقبل اليابان ويجب الحفاظ عليه، كما توضع قضبان حديدية أمام الطلاب لمنع الطلاب من الإنحناء والحفاظ على مستوى النظر، وكل طالب يحضر معه فرشاة معقمة لتنظيف أسنانه بعد الغداء ليتعود على الحفاظ على صحته.

أما “المعلم” فيشغل أرقى وظيفة في اليابان فعليها تنافس حاد للمكانة الاجتماعية والمادية التي يتميز بها المعلم فالترتيب الأخير لأهم المهن في اليابان احتل فيه معلمو المرحلة الابتدائية مرتبة أعلى من المهندسين والصيادلة، وأساتذة الجامعات جاءوا في المرتبة الثالثة بعد القضاة ورؤساء الشركات، وراتب المعلم يتراوح ما بين 45ألف إلى 68ألف دولار شهرياً، فهي مهنة مقدسة والطلاب يدركون ذلك جيداً، فكلما دخل عليهم ينحنون له ويرددون دائماً نرجو أن تتفضل علينا وتعلمنا.

وعندما سئل الأمبراطور الياباني عن سبب تقدم اليابان، قال إننا بدأنا من حيث انتهى الآخرون، فتعلمنا من أخطاء الدول ومنحنا المعلم حصانة الدبلوماسي وراتب الوزير وإجلال الأمبراطور!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Free WordPress Themes