الرئيسية / حصاد الرأي /  حتى لا تكون ثورة
الربيع العربي
الربيع العربي

 حتى لا تكون ثورة

الربيع العربي
الربيع العربي

سمعت من أستاذنا الدكتور محمد الأحمري مرة طرفة فشل أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد أمام مرشحه لأنّ الأخير أشاع عن السيد دعوته للديمقراطية وأنّها تعني الكفر والانحلال الأخلاقي.

للّغة تأثير ساحر علينا فـ(الأذن تعشق قبل العين أحياناً) كثيرة، وعقولنا تتذوّق المفردات بذائقتها المحمّلة بالتجارب والتاريخ وكل المؤثّرات.

كلمة (ثورة)، على سبيل المثال، نسمعها كمفردة تحمل كل ما فهمناه أو عشناه أو قرأناه عن الثورات السابقة ونفهمها في هذا السياق فيشعر بعضنا بذلك ويغفل عنه آخرون. ولو أطلق على أحداث السنتين الأخيرتين كلمة غير الثورة لفهمناها غير هذا الفهم؛ فهماً آخر يتعلّق بالمصطلح وكل ما علق به.(1)

إنّ العاقل هو من يتجاوز علائق المفردات ليصل إلى تشخيص الحالة المعبّر عنها وخصوصيتها ومن ثمّ أوجه الاختلاف أو الشبه مع تجارب تسللت إليه بنفس الوجه/اللغة.

من يتابع ما كتب ويكتب عن الثورات العربية الجديدة، يدرك أنّ التجارب السابقة التي شكّلت تاريخنا الحديث حاضرة بقوّة. ينظر بعضنا إلى ثوراتنا اليوم وأمام عينيه ثورات الأمس، فيقارن ويفهم ويحلل انطلاقاً من هذا الثقل الذي يحمله، وآخرون يستحضرون ما سطر في التاريخ من ثورات هذا الشعب أو ذاك ليفهم ما حدث باستحضار أرواح التاريخ.

فلا غرابة إذن أن نجد كاتباً كبيراً مثل الأستاذ هيكل يرى هذه الثورات أشكالاً جديدة لـ(سايكس بيكو)؛ إذ كيف يدرك عقل نشأ في حقبة العزف على نظرية المؤامرة وعاش ثورة شكّلت فهمه لهذه الكلمة أن يفهم ما يحدث اليوم إلا من هذا المنطلق الذي كوّن فهمه للعالم.(2)

وتجد آخرين يعتصرون الوهم ليخرجوا علينا بأنّ ما حدث ليس سوى تخطيط غربي مدروس بمهارة (طارق رمضان).

كان تحليل هيكل منطقياً مع مسيرته الفكرية؛ فهو ابن جيل نظرية المؤامرة، وأحد رموز الناصرية التي تآمر عليها الغرب لوأدها(هاجس االعجز وشعاره الأثير عندنا)، وأحد وجوه الثقافة السياسية السطحية التي لم تقم على أساس معرفي وثيق (3).

 لقد صعب الإمساك بتعريف للثورة على مفكر مثل الدكتور عمر الشارني حد اعتبارها معجزة (4)، ويُستعصى تعريفها على الكثير طالما بحثوا عن (تحديدها) لا عن (فهمها).

هل يمكننا القول إنّ الثورة ليست وسيلة بل ذروة تغيير جذري (طفح) على شكل ثورة؟ لربما كان فهم الثورة كذلك يجعل من بعض التساؤلات -غير البريئة أحيانا- لا معنى لها.

فأسئلة من قبيل: هل نجحت أو فشلت ثورات الربيع العربي؟ هل الربيع العربي مجرّد مؤامرة غربية أو شرقية أو شيطانية؟ كل هذه التساؤلات لا تعني شيئا عند من فهم الثورات كـ(آية) على تحوّل فكري واجتماعي حاد.

وعلى العقلية المهووسة بالمؤامرة أن تعي أن أسباب الثورات ليس بسبب (وقوف) أحد وراءها بل بسبب (تخلي) الجميع عن الشعوب.

ربما كان فهم الثورات كـ(حل) ضرباً من دغدغة الكسل الفكري والعملي التي تعاني منه أصناف عديدة من نخبنا؛ ففهم الثورات كدلالة يعني أنّ على النخبة أن تدرس وتنظّر وتعمل في ظل هذا التغيير الغير منظّم لتجعل منه أساسا لدول جديدة تقضي على إرث الاستبداد والكبت والقمع.

ولكن النخب الكسولة -والتي حدثت الثورات هذه بعيدا عن تأثيرها ولو غالبا- ترضى بالقوالب الجاهزة وتفهم ما حدث من تغيير عبر نماذج الماضي ولا ينتج حينها سوى غزل وتمجيد للثورات ببلاهة تذكرنا بأبواق الماضي، أو بعقليات جامدة ترى أنه من اليسر إلغاء ما حدث بحجة المؤامرة أو غيرها، وحقيقة الأمر أنّ هذه الأصنام لم تكن جزءا من (عبادة) اليوم، فلعنت هؤلاء الصابئة الجدد.

 ألم تكن الثورة الفرنسية سوى (انفجار) للتغيير الفكري والاجتماعي الذي شهدته فرنسا خلال فترة زمنية طويلة؛ فكر النهضة، التنوير، حدة الفوارق الاجتماعية، الهزائم السياسية، الإصلاح الديني…الخ، وألا يصح ذلك بالنسبة لثورات كثيرة والتي سطّرت تاريخا جديداً للإنسانية.

ما ينبغي للنخبة فعله هو العمل على الاستفادة من الوضع الذي دلت الثقافة عليه وتسييره لبناء مجتمع سليم من القهر والإلغاء والجمود الفكري.

المجتمع كيان حي لا يمكن لجزء منه أن يصيبه الشلل؛ إنّه مسيرة متواصلة دائمة تشهد السقوط والوقوف، تمارس الرفض والقبول، تجهد في التصحيح والسعي إلى الأفضل. أي مجتمع تكثر فيه الثوابت فمصيره الموت.

نعم، هناك ثوابت يجب الانطلاق منها والحفاظ عليها وهي الأساس الذي يرتفع فوقه بناء أي مجتمع، ولكن ما يبقي على المجتمعات حية ورائدة ليس سوى رحابة التجربة وآفاق الحرية والمسؤولية التي يتحمّلها جميع أفراده. ما حدث مؤخّراً في بلداننا إنّما كان دعوة لكل ذلك، وإيحاءً بأنّ أفكار الناس قد تغيّرت.

لماذا لم تحدث ثورة في بعض البلدان؟ لأنّ الثورة كما قلنا دلالة على ما سبق من تغيير جذري ومراحل من التفاعلات غير المرئية، والمجتمع الذي لم ير الثورة بعد هو غير (مهيأ) لها أصلاً.

ولقد كان لجمود الأنظمة عندنا أنّها تبذل قصارى جهدها لوأد الثورات، وذلك بدفع وتهيئة شعوبها للثورة، وهذه ميزة الاستبداد العظمى؛ عصي عن فهم (الحدث) فتأتي ردود فعله لصالح ما يحاربه!

بالنسبة للثوار الجدد، فقد كان من إشكاليات فهم الثورة من خلال الإرث السياسي، أن كل طيف من أطياف الثورات الجديدة حمل هذا الإرث وأراد تطبيقه فقط بعد تغيير واجهته؛ سواء كانت هذه الواجهة  إسلامية أو علمانية، أما التغيير بمفاهيم جديدة لمعنى الثورة فقد غاب خاصة عن أولئك المثقلين بعقائدهم.

لم يختلف ما رأيناه من نتائج الثورات على أيدي بعض الثوار عمّا سطّره التاريخ القريب والبعيد عن الثورات. فليس عجيبا أن ترى الإقصاء المتبادل بين أطياف الربيع العربي، وأن ترى التفكير الاستبدادي بحجج الماضي المنقلب عليه (مرسي وقراراته مثالاً)، وأن تداس الديمقراطية ويرمى بخيارات الشعوب من قبل بعض الثوار الجدد (مؤيدو انقلاب السيسي نموذجاً)؛ وكل ذاك ليس لخلل في الثورة ذاتها ولكنه جرّاء خلل في التصور وفهم الثورات الجديدة.

لم يعد الإشكال عن أمل استمرار الثورات أو اليأس منه، ولا سؤال الفلاح أو الخسران، ولا عن وأد الثورات أو حياتها، فالثورات حدثت واهتز لها العالم بأسره، وأينعت فكرا جديداً يقوم على أساس المشاركة لا التجريد والوهم.

هذا الفكر هو ما ينبغي أن يكون محل السؤال والبحث؛ عن ماهيته ومدى جدواه العملية، لا بريقه وزيفه.

سؤالنا ينبغي أن يتوجه إلى رحابة الآتي، واستمرار التجربة والمسير، بعيدا عن الحلول القاطعة أو استحضار نماذج مقطوعة الزمان والمكان عنّا. لقد قامت الثورات واستقرت على (الجودي)، وأسقطت الأنظمة التي سبّحت في الساحات بإسقاطها، وأول تلك الأنظمة سقوطاً هي تلك التي ما تزال تتخبّط في وهم (الاستقرار)!

بقلم: رياض المسيبلي / كاتب يمني
مجلة العصر

ــــــــــــــــــــــــــــ

1) لذلك أشعر أنّ مصطلح الربيع العربي فيه من الآثار السلبية ما فيه والتي غابت عنّا بفعل شاعرية وسحر هذا التعبير. وهل يستطيع أحدنا استيعاب هذا المصطلح دون (موسميته)؟! وكان ثوار الأمس يطلقون اسم ثورة على (انقلاباتهم) ثم يسمون ما يحدث بعدها (حركة تصحيح) أو غير ذلك !

2) لا غرابة حينها من سقوطه الأخير والكثير من أمثاله.

3) فمثلاً، عندما يتكلم هيكل عن الدين تشعر بثقافة نقر الطير لا غير.

4) نظر الكثير من المواقف السابقة في كتاب الأستاذ السيد ولد أباه (الثورات العربية الجديدة المسار والمصير)، دار جداول، 2011م. والفصل الأخير منه طرح ممتاز عن استيعاب المثقفين للثورات.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Free WordPress Themes